محمد هادي معرفة

33

التمهيد في علوم القرآن

المصاقع والشعراء المفلّقون « 1 » وقد وصفهم اللّه تعالى في كتابه بالجدل واللدد ، فقال سبحانه : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ « 2 » . وقال سبحانه : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا « 3 » فكيف كان يجوز - على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة - أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه « 4 » وأن يضربوا عنه صفحا ، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه ، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه . قال : وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينها دلالة وأيسرها مئونة . وهو مقنع لمن تنازعه نفسه مطالعة كيفيّة وجه الإعجاز فيه « 5 » . ثمّ أخذ في بيان مذاهب أخرى في بيان وجه الإعجاز ، قال : وذهب قوم إلى أنّ العلّة في إعجازه الصّرفة ، أي صرف الهمم عن المعارضة ، وإن كانت مقدورا عليها ، غير معجوز عنها ، إلّا أنّ العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجاري العادات ، صار كسائر المعجزات . . . قال : وهذا أيضا وجه قريب ، الّا أنّ دلالة الآية تشهد بخلافه ، قال سبحانه : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 6 » فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلّف والاجتهاد ، وسبيله التأهّب والاحتشاد . والمعنى في الصّرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة ، فدلّ على أنّ المراد غيرها ، واللّه أعلم . قال : وزعمت طائفة أن إعجازه إنّما هو فيما يتضمّنه من الاخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان ، نحو قوله سبحانه :

--> ( 1 ) المصقع : البليغ . وشاعر مفلق - بزنة اسم الفاعل - مبدع . ( 2 ) الزخرف : 58 . ( 3 ) مريم : 97 . ( 4 ) اهتبال الفرصة : اغتنامها . ( 5 ) اي وهذا أيسر الوجوه لمن أراد الاقتناع النفسي ولو تقليدا وليس تحقيقا . ( 6 ) الاسراء : 88 .